{رسالة إلى أهل النهى‼®
طبيعة الحياة الزوجية يتخللها بعض الاختلافات الفكرية والسلوكية، لكن المشكلة قد تكون على حافة الخطر حين تصير الاختلافات جوهرية ناتجة عن سلوكيات سيئة، وكما يصنف لنا المختصون، فإن بعض السيدات تكون صبورة وحليمة ولديها من القدرات العقلية والانفعالية ما يجعلها تواجه مشاكل الزمن والحياة بطريقة مثلى وخاصة مع زوجها، وهذه المرأة تعلم أن أسرار الحياة الزوجية مقدسة فتعمد إلى مواجهتها بكثير من المسئولية، بينما الجانب الآخر من السيدات لا يمتلك فن الصبر فتعمد إلى البلبلة في كل لحظة وتشكو على الدوام من الاختلاف، مما يؤدي إلى تفاقم مشاكل أكبر مع زوجها، وربما ينتهي الأمر بالانفصال. • ليس من المودة والتراحم كثرة التشكي والتأفّف من معيشة زوجك ورزقه، فكوني قنوعة واشكري زوجك على ما يجلبه لك من طعام وشراب وثياب .. وغير ذلك مما هو في قدرته، واجتنبي جحده، فإن هذا من موجبات دخول النار، فقد بين رسول الله صلى الله عليه وسلم عاقبة هذا السلوك غير السوي من الزوجة عندما ذكر أن أكثر أهل النار من النساء، فلما سُئل عن سر ذلك قال: "لأنهن يكفرن العشير"، أي التنكّر للخير وكثرة الشكوى. فلتحذري من هذا السلوك، فالعاقبة غير حميدة في الدنيا وكذلك الآخرة. وإن قصر معك الزوج في بعض حقوقك أو بدت لك حاجة فقدمي بين يدي طلبك عبارات فيها ثناء وذكر لأخلاقه الجميلة ثم اذكري حاجتك، وإياك وإنكار الجميل وجحود مواقفه الرائعة معك فإن ذلك من كفران العشير، وهو أعظم ما يفسد الود بين الزوجين . • أسرار البيت أمانة يجب عليك المحافظة عليها وتفريطك بها يذهب ثقة زوجك بك، فاحذري أن تكون أسرار بيتك موضوعًا لثرثرتك أو فضفضتك مع قريناتك؛ كما قد يخيل إليك، ولا تظني أن صديقتكِ أو جارتكِ ستحفظ سرك الذي ضاق به صدركِ، وقديمًا حذرت أمامة بنت الحارث ابنتها في وصيتها المشهورة قبل زواجها فقالت: " فإن أفشيت سره فلن تأمني غدره " قال تعالى: {فالصالحات قانتات حافظات للغيب بما حفظ الله} [النساء:34] وهذا كله خبر، ومقصوده الأمر بطاعة الزوج والقيام بحقه في ماله وفي نفسها في حال غيبة الزوج، فقوله تعالى (فالصالحات) أي من النساء التي يؤدين حقوق الله تعالى بطاعته وطاعة رسوله صلى الله عليه وسلم وحقوق أزواجهن من الطاعة والتقدير والاحترام (قانتات) أي مطيعات لله في أزواجهن (حافظات للغيب) الغيب خلاف الشهادة، أي حافظات لمواجب الغيب، إذا كان الأزواج غير شاهدين لهن، حفظن ما يجب عليهن حفظه في حال الغيبة من الفروج والأموال والبيوت (بما حفظ الله) أي بحفظ الله إياهن وعصمتهن بالتوفيق لحفظ الغيب فالمحفوظ من حفظه الله، أي لا يتيسر لهن الحفظ إلا بتوفيق الله، أو المعنى: بما حفظ الله لهن من إيجاب حقوقهن على الرجال، أي عليهن أن يحفظن حقوق الزوج في مقابلة ما حفظ الله لهن حقوقهن على أزواجهن حيث أمرهم بالعدل عليهن وإمساكهن بالمعروف وإعطائهن أجورهن، فقوله بما حفظ الله يجري مجرى ما يقال: هذا بذاك، أي في مقابلته، وفي الحديث الشريف قال صلى الله عليه وسلم: «خير النساء من تسرك إذا أبصرت، وتطيعك إذا أمرت، وتحفظ غيبتك في نفسها ومالك» [صحيح الجامع: 3299 ] • أشعريه دائما بالأمان والثقة وبأنك تتمنين أن تطول الحياة بكما معا ومع أطفالكما، وابتعدي عن الأحقاد، ولا تحقري أعماله ولا مشترواته، ولا تقللي من شأنه أو من شأن وظيفته أو شهادته، فهذه التصرفات إن وقعت فيها سوف تنسفين كل ركائز المحبة والاحترام بينكما. • إياك أن تشعريه بأنه مقصر معك عاطفيا، وأنه جامد لا مشاعر له، وأنك متضايقة من تبلد أحاسيسه .. فكل ذلك سيزيد جموده وتبلده، بل ربما يؤدي إلى عناد منه يدفعه للزيادة في إهمالك، وعلى العكس تماما بالغي في إطرائه ومدحه على أمور فعلها لك ولم يلق لها بالا. • إياك أن تقارنيه مع أبطال الأفلام والمسلسلات سواء ظاهريا أو ضمنيا فلا يشعر هو بذلك منك، وأشعريه بأنك سعيدة جدا مع زوج ديّن يصونك ويرعاك، ويحافظ ويخاف عليك، ويوفر لك ما تريدين، وتتعاونين معه على تربية أبناءكما، ومن ثم على طريق الجنة، وأن عقلك أكبر بكثير من ذلك الذي ترينه في وسائل الأعلام من خداع وتزوير للحقائق والواقع. • هناك نوع من الزوجات لا تطيع الزوج في أمر إلا بعد أن يتنفس الصعداء من جراء جدالها معه ومناقشتها إياه، والحياة بهذه الطريقة لا تستقيم، فالجدال يعمل على اختلاف القلوب، وكثرته تؤدي إلى النُّفرة، قال صلى الله عليه وسلم: «لا تختلفوا فتختلف قلوبكم» [ صحيح الجامع: 7256 ]. ومع كثرة الاختلاف تختلف القلوب ولا يعرف الحب طريقه إليها، ولا يكون هناك معنى للطاعة إذا كانت الزوجة لا تطيع زوجها في أي أمر إلا بعد نقاشٍ أو جدال. وقد قيل لرسول الله صلى الله عليه وسلم، أي النساء خير ؟ قال: «التي تسره إذا نظر، وتطيعه إذا أمر» .. فتحدثي معه بكل هدوء ومنطقية وبما يفيد، ولا تكرري الكلام بدون فائدة، وابتعدي عن الدعاء عليه بالسوء أو التهديد فكلا الطريقتين لا فائدة منها إلا زيادة الحقد والمشاكل، بل أبدلي الجدل بالتفاهم، وأبدلي الدعاء السيئ بالنصح والإرشاد. وإياك من كثرة العتاب أو رفع صوتك عليه في المناقشات أمام الأولاد أو في الأماكن العامة، ولكن أخري ذلك إلى خلوتك به، وانتظري حتى تهدأ نفسه ويسكن غضبه، وخاطبيه بصوت منخفض وكلام مؤثر وعتاب المحب فحينها سيتأثر ويستجيب، ولتعلمي أن الرجل ذو أنفة وحمية لا يناسبه غالبا إلا هذا الأسلوب الناعم اللطيف، وكثير من النساء تفقد زوجها لجهلها هذه الحقيقة. • تقبلي الوضع الخطأ وعالجيه بذكاء .. فإذا عاد زوجك في وقت متأخر من الليل – مثلا - فلا تصرخي في وجهه وتثيري ضجة، لأنه حين يأتي متأخراً يكون شعوره حافلاً بالذنب، فحاولي أن تشعريه أنك كنت خائفة من الجلوس وحدك في المنزل، أو أنك افتقدتيه طوال الوقت الماضي. • لا تفضحي كذبه، فأحياناً يتعمد زوجك الكذب بهدف التصالح معك وحرصاً على شعورك. • احذري أن تكوني مقلقة لزوجك إذا أراد منك حاجته الزوجية، أو تتبرمي بالأعذار الواهية، فقد جاء الوعيد الشديد في ممانعة المرأة لزوجها إذا طلبها لفراشه، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إذا دعا الرجل امرأته إلى فراشه، فأبت، فبات غضبان، لعنتها الملائكة حتى تصبح» [البخاري] • إياك والغيرة الزائدة فإنها مفتاح الطلاق .. تجنبي كثرة الأسئلة المريبة، ولا تكوني من اللواتي يفتشن الجيوب ويتنصتن على المكالمات ويتصيّدن الهفوات، خصوصاً إن كانت لك ضرّة أو ضرّات ..كل ذلك مذموم وعواقبه وخيمة، وبالأخص إن كانت غيرة جنونية من أمه وأخواته ومن أمور كثيرة لا يحق لك الغيرة فيها. • الزوجة الصالحة لا تسأل زوجها الطلاق من غير سبب يلجئها إليه - وإن استُفزّت- قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «أيما امرأة سألت زوجها طلاقاً من غير بأس، فحرام عليها رائحة الجنة» [أصحاب السنن]، فأرجو أن تمحي كلمة طلقني من قاموس حياتك, فالطلاق لن يريحك ولاسيما بعد أن تنجبي الأطفال، والزوج كثيراً ما يكون متعقلا ولا يستجيب لمهاترة الزوجة، لكن الحصيلة لتلك المهاترات هو قلق الأبناء وزرع الخوف الدائم في حياتهم بالطلاق. ـــــــــــــــــــــــــــــــ د. خالد سعد النجار
مقالة مميزة بعنوان لذي يراك حين تقوم / التسميات: كنوز المقالات http://koonoz.blogspot.com/2015/12/Hina-Ta9oum.html بسم الله السلام عليكم ورحمة الله وبركاته الذي يراك حين تقوم في الوقت الذي يريدك أن تعلم أنّه على العرش استوى .. يريدك أن تتيقّن أنّه أقرب إليك من حبل الوريد .. يسمع كلماتك .. ويرى أفعالك .. ولا تخفى عليه منك خافية .. يدخل الرسول صلى الله عليه وسلم المسجد فإذا بصحابته الكرام رافعي أصواتهم يدعون الله .. فيقول : " أربعوا على أنفسكم .. إنّكم لا تدعون أصمّ ولا غائبا .. إنّما تدعون سميعاً بصيراً قريبا " . بمجرّد أن ينتهي العبد من الدعاء إذ بالإجابة تلوح .. لأنّه قريب بدرجة لا يتصوّرها عقلك .. تضيع دابّة أحدهم فيمشي مبهوتاً فيراه إبراهيم بن أدهم فيسأله فيقول : ضاعت دابّتي .. فيقف إبراهيم ويقول : يالله .. لن أمشي خطوة حتى تعيد لهذا دابّته .. فإذا بها تظهر من منحنى الطريق .. أحدهم يدخل المسجد وما زال أثر ماء الوضوء في أذنيه فيتّجه إلى الصف الأول مقابل جهاز التكييف مما يجعل الهواء البارد يدخل إلى أذنيه على أثر الماء .. بعد ساعة يشعر ببداية ألم في أذنه .. لم يفتح شفتيه وإنما قال بقلبه : يالله .. كان ذلك من أجلك .. يالله لم أصل في الصف الأول إلا لأنّك تحب ذلك .. فإذا بالألم يرتفع هكذا بدون مقدّمات وبلا تدرّج ! وأقرب ما تكون إليه وأنت ساجد .. تتمتم بـ سبحان ربي الأعلى .. فإذا بالسماوات تنصت إليك .. وإذا بالجبار يسمعك .. لا تتوهم أنّه بعيد .. أو أنّه تخفى عليه منك خافية .. يخرج رسول الله صلى الله عليه وسلم في جوف الليل .. ويذهب ليطرق باب أبي بن كعب .. فيخرج أُبي .. فإذا برسول الله يخبره : أمرني الله أن أقرأ عليك سورة الفاتحة .. يقول أُبيّ بذهول : وسمّاني ؟ فيقول نعم .. فيبكي أُبيّ .. قريب من جميع خلقه .. يراهم ويحميهم .. كيف يكون قيّوما على خلقه لو لم يكن قريبا منهم ؟ كيف يكون ربّا .. إلا وهو قريب .. يقول عليه الصلاة والسلام عنه سبحانه إنه " أقرب إلى أحدكم من شراك نعله " .. ويقول عن نفسه : " ونحن أقرب إليه من حبل الوريد " .. وهذا دليل على القرب المتناهي .. قرب علم وقرب سمع وقرب بصر وقرب إحاطة .. لا قرب ذات .. لأنّ ذاته العليّة منزّهة عن مثل هذا القرب .. ومن قربه أنّه ينزل كما صحّ عن سيدنا محمد عليه الصلاة والسلام في الثلث الأخير من الليل إلى السماء الدنيا فيقول : هل من سائل فأعطيه ، هل من مستغفر فأغفر له .." ومن قربه أنّه : يسمع دبيب النملة السوداء على الصفاة الصمّاء في الليلة الظلماء .. يقول تعالى : "و ما تسقط من ورقة إلا يعلمها " تخيّل عدد الأشجار .. ثم عدد أوراقها .. تخيّلها وهي تتناثر في فصل الخريف .. كلّها يعلمها : يعلم عددها وأشكالها وأنواعها وكل شيء يخصّها .. يقول الشاعر وهو يصف القرب المتناهي وعلمه سبحانه البالغ الدقة : يا من يرى مدّ البعوض جناحها في ظلمة الليل البهيم الأليــــــلِ ويرى مناط عروقها في نحرها والمخ من تلك العظام النُحّــــــــــــــلِ ويرى خرير الدم في أوداجها متنقلا من مفصل في مفصــــــــــــــلِ ويرى مكان الوطء من أقدامها في سيرها وحثيثها المستعجلِ امنن عليّ بتوبة تمحو بها ما كان منّي في الزمــــــــــــــــــــــــــان الأوّلِ قريب .. تأتي امرأة تجادل في زوجها .. وعائشة رضي الله عنها في طرف البيت تقول إنها تسمع كلمة وتغيب عنها كلمة .. وبعد ذلك الجدل ينزل جبريل على محمد صلى الله عليه وسلم أن " قد سمع الله قول التي تجادلك في زوجها وتشتكي إلى الله والله يسمع تحاوركما إن الله سميع بصير" مدّ يدك الآن .. أمددتها ؟ .. لقد رآها ! .. يجب أن تؤمن بذلك .. قال لي صديقي مرّة اكتب لي في هذه الورقة كلمة لأقرأها وأنا عائد إلى البيت .. فكتبت له : إنّه يراك الآن .. أخبرني فيما بعد أنّه فُجع بها .. قربه يخيفك .. يجب أن يخيفك وقربه يؤنسك .. يجب أن يؤنسك .. وقربه يدفئك .. يجب أن يدفئك .. وقربه يجعلك شجاعاً شامخاً بطلاً .. اسمع إليه وهو يهدّئ من روع موسى عليه السلام عندما أعلن خوفه من الذهاب إلى فرعون فقال له : " إنّني معكما أسمع وأرى" هذا يكفي .. كوني معكما أكبر حماية لكما .. لأني معكما يجب ألا تخافا من فرعون .. يجب أن تكونا شجاعين بطلين شامخين .. ومما قُرر في كتب العقيدة أن له معيّتين : معيّة خاصة بأهل ولايته ، وهي معيّة محبّة ونصرة وتوفيق ...، ومعيّة عامّة لجميع خلقه .. وهي معيّة علم وسمع وبصر وإحاطة .. ومن أجلّ الآيات وأكثرها أنساً في هذا الباب قول الحق : " الذي يراك حين تقوم * وتقلبّك في الساجدين" .. حين تقوم .. يراك .. في تلك اللحظة السوداء المظلمة التي لا يعلم أحد فيها عنك شيئا ، يبصرك لحظة بلحظة .. إذا صفعتك المخاوف فتذكر قربه .. وإذا التأمت حولك الخطوب فشتتها بفكرة أنّه أقرب إليك من حبل الوريد .. مما يذكر أن أحدهم كان مسافراً في الصحراء فإذا بقاطع طريق حاملا سيفه يريد قتله .. قال له : خذ مالي .. فقال : لا .. أريد أن أقتلك ثم آخذ مالك .. فاستأذنه بركعتين فأذن له : قال نسيت كل القرآن ولم أذكر إلا : " أمّن يجيب المضطر إذا دعاه ويكشف السوء " رددتها وما أنهيت الصلاة إلا وفارس لا أدري من أين ظهر يضرب ذلك الرجل ضربة بسيفه يطير منها رأسه ! إنّه القريب .. فقط حرّك شفتيك بذكره .. تتفتّح أبواب السماوات لصوتك .. كان يونس عليه السلام في بطن الحوت ينادي " لا إله إلا أنت سبحانك إني كنت من الظالمين" .. فكان الصوت الضعيف المنطلق من الظلمات الثلاث يخترق أجواز الفضاء لتسمعه ملائكة السماوات فيقولون للرب سبحانه : " صوت معروف .. من مكان غير معروف !!" .. يقول في الحديث القدسي : " من ذكرني في نفسه ذكرته في نفسي .. ومن ذكرني في ملأ ذكرته في ملأ خير منهم " لأنّه قريب.. فقط قل يا الله .. يكون الرد بأن يذكر اسمك .. ما أجلّ أن تتخيّل أن ملك الملوك هذه اللحظة يقول اسمك ! يقول : عبدي فلان بن فلان ذكرني .. الدنيا كلّها تافهة .. لا تساوي مثل هذا التخيّل .. وقربه هذا يزيد .. فبالتوبة والإنابة والطاعات تزيد قربا منه يقول في الحديث القدسي : " إذا تقرّب مني شبرا تقرّبت منه ذراعا .. وإذا تقرب مني ذراعا تقربت منه باعا " .. فكل محاولة اقتراب منك إليه بالطاعة يعقبها اقتراب منه إليك بالأفضال والنعم والعطايا والهبات .. ومن معاني قربه أنّه يريك في كل شيء من حولك معنى يذكّرك به .. فترى حكمته في دقّة تركيب مخلوقاته .. وترى قدرته في رفع سماواته بلا عمد .. وترى رحمته في إنزال المطر وإنبات الشجر .. وترى عظمته في شموخ الجبال .. وترى عذابه في البراكين والزلازل والكوارث .. إلهي ..رايتك إلهي سمعتك رأيتك في كل شي .. سمعتك في كل حي .. تعاليت لم يبد شيء لعيني تباركت لم ينب صوت بأذني ولكن طيفاً بقلبي يهل ومن طيفه كل نور يطلّ *** يقول تعالى : " سنريهم آياتنا في الآفاق وفي أنفسهم حتى يتبيّن لهم أنه الحق" إذا أبصرت شيئا بعينيك فبصرك يذكرك بالبصير سبحانه وإذا سمعت همسا في دجى الليالي فسمعك يذكرك بالسميع سبحانه وإذا علمت شيئا من خفي العلم فعلمك يذكرك بالعليم سبحانه .. وفي كل شيء له آية تدلّ على أنّه الواحد قريب لا تحتاج حتى تصل إليه إلاّ أن يخطر ببالك .. أن تشعر بقربه .. أن تحسّ بأنّه يراك .. ثم تقول : يالله .. " وإذا سألك عبادي عني فإني قريب " أي شخص يسألك عن الله فأوّل شيء تصف ربّك به هو أنّه قريب منه ! النفوس مفطورة على عدم استعدادها لعبادة رب بعيد .. لا يسمع دعاءها .. ولا يرى حاجاتها .. فمن أهم الصفات التي تبتدر بها الذي يريد التعرّف على الله أن تخبره أن ربّه " قريب" .. هكذا علّمك سبحانه أن تخبر عنه ! وهذا القرب علاوة على أنه يجعلك تحبّه ، وتأنس به ، وتخشاه .. إلا أنه فوق ذلك يجعلك تدمن على استغفاره والتوبة إليه .. فالقريب : من جهة يستحق أن يُستغفر ويتاب إليه لأنّه بقربه اطلع على كل غدراتك وفجراتك .. ومن جهة أخرى فهو قريب قرباً يجعل استغفارك وتوبتك ناجعة ، فلن يغفر لك إلا من سمع استغفارك ولن يتوب عليك إلا من علم توبتك .. فهو القريب المجيب .. وبعد هذا تأمل قوله سبحانه : "فاستغفروه ثم توبوا إليه إن ربي قريب مجيب " ومن نوادك التعابير التي تصيبك بالحياء من القريب سبحانه قول أحدهم : " ألا يستحق أن تحبّه ؟ : في اللحظة التي تغلق الباب على نفسك لتعصيه .. يدخل لك الأكسجين من تحت الباب لتتنفس " وهذا القرب يقابله محاولة تقرّب من العبد إليه سبحانه : "أولئك الذين يدعون يبتغون إلى ربهم الوسيلة أيهم أقرب " .. إنّه مضمار المسارعة ، والمسابقة .. والتي لا يكون قصارى رغبة العبد منه أن يكون قريباً بل أن يكون الأقرب ! الله قريب من غزّة وفي أجواء المحن التي تعيشها الأمة ، ومن بين أدخنة الحروب المهلكة التي تمسّ أفئدة المؤمنين في غزّة وغير غزّة باللأواء ، يحتاج المؤمن هناك إلى ثلاث مستويات معرفية متعلّقة باسم القريب : الأولى : معرفة قربه سبحانه إيماناً ويقيناً .. ليريح نفسه من عناء الصراخ والاستنجاد بالبشر .. فرب البشر قريب شهيد مطّلع .. فيجد في القرآن آية تقول له بكل وضوح : " إنه سميع قريب " .. فيلقي عند أعتابها حرقات روحه المكلومة .. وكل ما سبق في المقالة يصب في خانة هذا المستوى المهم .. الثانية : ومن بين لهيب القهر ، ورؤية تفاصيل الشتات ، وتهدّم البيوت ، وموت الأنفس ، وهلاك الثمرات .. يريد رحمة .. يبحث عن رحمة .. يتمنى رحمة تنهي عذابات خذلان الإخوة .. وطعنات الغدر المتوالية ..فيقف عند قول الحق سبحانه :" إن رحمة الله قريب من المحسنين " .. يالله .. إذن ليس بين ذلك المجاهد المغوار الذي نذر روحه للجبار إلا ستار شفيف تلوح من خلفه مخايل الإحسان .. فقط يحتاج أن يجاهد في الأرض بطريقة ملائكية يشعر فيها أنّه يرى الله ! فإن لم يكن يرى الله فإن الله يراه .. فلا يطلق رصاصة إلا ولديه جواب .. وتكون في المقابل رحمة الله أقرب إليه من غيره
لمن أراد أن يذكَّر أو أراد شُكُوراً لمَّا وصل إلى يد بلقيس - ملكة سبأ - كتابٌ كريم من النبي سليمان - عليه السلام - والذي كان فيه قوله تعالى : ( بسم الله الرحمن الرحيم * ألَّا تعلوا علَيَّ وأتوني مسلمين ) .. وبعد مشاورات جرت بينها وبيِن مستشاريها رأت أن ترسل بِهديةٍ قيّمةٍ إلى سليمان - عليه السلام - لتتأكد من وراء هذه الهدية صدق نُبُوَّته وحقيقة دعوته ، فقال تعالى كناية عن سليمان : ( ولما جاء سليمان ) أي : حاملوا هدية بلقيس .. ( قال ) أي : سليمان عليه السلام . ( أتمدوننِ بمال فما آتانيَ الله خير مما آتاكم ... ) . فما الذي آتاهُ وأعطاهُ اللهُ لسليمان - عليه السلام - وما الذي أعطاه لبلقيس وقومها .؟ لنتأمل في مُلك هذين الملِكين ، وإلى أي حدٍّ بلغت تلك الثروات والمكانة العالية من نعيم الدنيا .. فالملكة بلقيس ذَكَر الله تعالى لنا عن مملكتها وبلادها في قوله : ( لقد كان لسبأ في مسكنهم آيةٌ جنّتان عن يمين وشمال كلوا من رزق ربكم واشكروا له بلدةٌ طيبة ورب غفور ) سبأ15 . فكانوا في نعمة وغبطة في بلادهم وعيشهم واتساع أرزاقهم وزروعِهم وثمارهم ، وكان لها هي في مُلكها ما ذكره الله لنا على لسان الهدهد : ( إني وجدت امرأةً تملكهم وأُوتيت من كل شيء ولها عرش عظيم ) .. قال ابن كثير: ( أوُتيت من كل شيء ) أي : من متاع الدنيا مما يحتاج إليه الملك المتمكن .. ( ولها عرشُ عظيم ) يعني سريرٌ تجلس عليه ، عظيم هائل ، مزخرف بالذهب وأنواع الجواهر واللآلئ .. وقال علماء التاريخ : وكان هذا السرير في قَصرٍ عظيم مشيد رفيع البناء محكم .. وأمَّا عن ملك سليمان - عليه السلام - فهو كما قص الله علينا بقوله تعالى : ( ولسليمان الريح غُدوّها شهرٌ ورواحها شهر وأسلنا له عين القِطر.. ) أي : النحاس . ( .. ومن الجن من يعمل بين يديه بإذن ربه .. ) إلى أن قال : ( يعملون له ما يشاء من محاريب وتماثيل وجفان كالجواب وقدور راسيات .. ) سبأ12ـ13. وقال : ( وورث سليمان داود وقال يا أيها الناس عُلِّمنا منطق الطير وأوتينا من كل شيء ) وقال : ( وحُشِرَ لسليمان جُنُوده من الجن والإنس والطير فهم يوزعون ) النمل 16ـ17 .. وعموم حجم ومقدار مُلك سليمان كان في دعائه لربه حين قال : ( رب اغفر لي وهب لي ملكا لا ينبغي لأحد من بعدي إنك أنت الوهاب ) فكان الجواب من ربه : ( فسخرنا له الريح تجري بأمره رخاءاً حيث أصاب * والشياطين كلَّ بنَّاءٍ وغوّاص * وآخرين مقرَّنين في الأصفاد * هذا عطاؤنا فامنن أو أمسك بغير حساب ) ص35ـ39. فبعد هذا يتبين لنا مما سبق عِظمَ ما يمتلكانه من نعيم ، وما تفضل الله به عليهما في هذه الدنيا ، ويتضح لدينا أيضاً أن ما قد وهبه الله لسليمان - عليه السلام - هو حقاً خيرٌ مما آتاه الله للملكة بلقيس ، وفوق كل هذا المُلك والعظمة أن جعلهُ اللهُ شاكراً لأنعُمِه ! فالذي نريد أن نصل إليه - إخوة الإيمان - من ذلك كله أن نعلم علم يقين أنَّ المُنعِمَ - جل جلاله - يريد من عباده بعد إنعامهِ عليهم أن يشكروه ولا يكفروه ، ويوحِدوه ولا يشركوا به شيئاً ، وأن يعملوا صالحاً شكراً وتعظيماً وإجلالاً ، ليكون إعترافاً منهم بألسنتهم ، وتصديقاً بقلوبهم ، وعملاً بجوارحهم .. قال تعالى : ( يا أيها الذين آمنوا كلوا من طيبات ما رزقناكم واشكروا لله إن كنتم إياه تعبدون ) .. البقرة172. ولقد أوصى الله تعالى آل داود وأمرهم بلزوم العمل الصالح شكراً له ، وتحقيقاً للعبودية فقال : ( إعملوا آل داود شكرا وقليلٌ من عباديَ الشكور ) .. سبأ13. وقال تعالى : ( ولقد آتينا داود وسليمان عِلما وقالا الحمد لله الذي فضلنا على كثير من عباده المؤمنين ) النمل15. وهذا ما تنبه له سليمان - عليه السلام - حيث كان شكره لله تعالى ملازماً له في كل حين ، فقال بعد سماعه لنملةٍ تنذر قومها وتحذرهم من جيشه أن يحطِمَهُم وهم لا يشعرون من قوله تعالى : ( فتبسم ضاحكا من قولها وقال رب أوزعني أن أشكر نعمتك التي أنعمت عليّ وعلى والديّ وأن أعمل صالحا ترضاه .. ) النمل19. ولقد أعدَّ سليمان - عليه السلام - هذه النعم ، وهذا العطاء والفضل في محل شُكرٍ للمتفضِّل بها عليه ، وعلِمَ أنها إبتلاء من ربه واختبار له ، ولذلك قال بعد أن عاين هو ومَلَؤه عرش بلقيس ورآه مستقِرَّاً عنده بعد أن كان في أرض اليمن : ( .. قال هذا من فضل ربي ) أي من نعم الله علي .. ( ليبلوني أأشكرُ أم أكفرُ ومن شكرَ فإنما يشكرُ لنفسه ومن كفرَ فإن ربي غني كريم ) النمل40. وهو ما تحقق في قول المولى جل وعلا : ( وإذ تأذن ربكم لإن شكرتم لأزيدنّكم ولئن كفرتم إن عذابي لشديد ) إبراهيم7. إن ثمةَ أُناسٌ لم يشكروا ربهم حق شكره لأنهم لم يعرفوا قيمة هذا العطاء ، ولم يقدِروا له قدرَه ، ولم يعترفوا بفضل المنعِمِ عليهم مع رحمته بهم ، وإكرامه لهم .. ومن ذلك ما حصل من أهل سبأ بعد إنعام الله عليهم حيث قال : ( .. كلوا من رزق ربكم واشكروا له بلدةٌ طيبة وربُ غفور ) .. فبَدَلَ أن يشكروا الله على إنعامه لهم ، ويوحدوه ويعملوا صالحا ، كانت النتيجة منهم الإعراض والإشراك بالله وعبادتهم للشمس من دون الله تعالى : ( فأعرضوا فأرسلنا عليهم سيل العرم وبدلناهم بجنتيهم جنتين ذواتي أُكُلٍ خَمطٍ وأثلٍ وشيءٍ من سدرٍ قليل * ذلك جزيناهم بما كفروا وهل نجازي إلا الكفور ) سبأ16ـ17. قال ابن كثير : أي عاقبناهم بكفرهم . قال مجاهد : ولا يُعَاقَبُ إلا الكفور . وقال الحسن البصري : صدق الله العظيم لا يُعَاقَبُ بمثل فعله إلا الكفور .. إنَّ علينا أيها - الإخوة الأفاضل - بعد تدبر قول ربنا وخالقنا ورازقنا الذي يقول : ( إنَّا خلقنا الإنسان من نطفةٍ أمشاجٍ نبتليه فجعلناه سميعاً بصيراً * إنَّا هديناه السبيل إمَّا شاكراً وإمَّا كَفوراً ) الإنسان2ـ3.. وقوله تعالى : ( وهو الذي جعل الليل والنهار خِلفةً لمن أراد أن يذكَّر أو أراد شُكُوراً ) الفرقان62. بعد ذلك علينا أن نُثَمِّن هذه العبادة ، وأن نُعَظِّمَها في نفوسنا أشدَّ تعظيم ، حتى نكون لله شاكرين قولاً وعملاً ، لكل نعمة أنعم بها علينا ، كبُرَت أم صَغُرَت ، مثنين عليه بها ، كيف وهو القائل : ( إنَّ الله لذو فضلٍ على الناس ولكن أكثرهم لا يشكرون ) يونس60.
Aucun commentaire:
Enregistrer un commentaire